Make your own free website on Tripod.com

الفصل الثاني:  لباس النصارى

إنتقل إلى

 

وقد نهيتهم عن ذلك فقال المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم: " لا يخفى على شيخنا أن اللباس ليس من العبادات ولا من الإعتقاديات إنما هو من العادات ولقد صرح الأثر عنه- صلىالله عليه وسلم- أهديت له كرزية من الروم ضيقة الأكمام كان إذا أراد الوضوء يخرج الوضوء من أذيالها وأيضا فلابس الكوت لا يقال له لابس لباس المشركين. لأن هذا الكوت أخذه المسلمون فعربوه وفصلوه تفصيلا غير تفصيل المشركين فالبعض زاد والبعض نقص من الطرفين- الطول والعرض- وغير ذلك ولربما الخائط كان مسلما. نعم لو لبس الكوت والبنطلون والبرنيطة وعقد الزنار وعلق الصليب في عنقه من غير إكراه. فهذا لابس لباس المشركين.
وأيضا فالكوت منفردا أخف إضاعة مال من الجوخة والبشت المنقوشين بالقصب المغضض البالغ فوق الحاجه مائة روبية وخمسين. وأقلها ثلاثين روبية. وأي إضاعة أكثر من هذا إذ ثمن واحد من هذين يسد حاجة جم غفير من الفقراء وهاهم جياع وأيضا فالكوت ليس من خصوصيات لباس النصارى فقد شوركوا فيه أيضا أكل مستعمل المشركين حرام علينا؟ فالكوت يلبسه الزنجباريون بعدما يلبسون الإزار والقميص والكمة والعمامة بدلا من الجوخة لخفته على الجسد وأقل مغرما، وإن كانت شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم- ليس فيها توسع لهذا الكوت فالأولى لأهل زنجبار الخروج من زنجبار ولا فائدة في قوله- صلى الله عليه وسلم-: "جئت ميسرا لا معسرا". إلا أن زماننا هذا الملبوس والمأكول والمشروب غالبه من عمليات المشركين وترك أفريقية للمشركين مما تطلبه المشركون في دهرها. ولا قائل به إذا لم يمنعوهم دينهم."

الجــــــــواب

أما الكوت فلا أعرفه ولا أقول فيه على الخصوص بشيء، وانما أتكلم في لباس الكفار من نصارى وغيرهم. ولعل الفقراء الذين كانوا حولكم جياعا أمسوا ببركة لباسكم الجديد شباعا وتاالله ما تركتم لباسكم الأول زهدا ولا قناعة ولا اقتصادا ولا تقصد المواساة لفقراءكم. لكنه أشرب في قلوبكم حب أعدائكم فاستحسنتم منهم كل قبيح واستصلحتم كل فاسد وتشبهتم بحركاتهم وسكناتهم، وتزينتم بهيئاتهم وطبعتم ألسنتكم على لغاتهم، ونبذتم كتاب الله وسنة نبيه- عليه الصلاة والسلام- وسيرة السلف وراء ظهوركم فآمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض واستبدلتم بالرشد غيا وبالهدى ضلالا. وبعتم الآخرة بالدنيا فما ربحت تجارتكم ولا أنتم مهتدون إلا من رحم الله وتداركه بلطفه فأيقض همته وفتح بصيرته وندم على خطيئته وراجع سيرة سلفه ورجع عن الظلمات إلى ما خرج منه من نور الهدى نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن الإتباع ويجنبنا قبح الإبتداع والملابس الفاخرة الموجودة عند العرب في جميع أيامها، كل عصر بحسب ما يليق به في جاهلية وإسلام ولم يحرم الشارع منهم إلا الذهب والحرير على الرجال خاصة. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ الَّتِيْ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} وإنما تركها من تركها إما لعدم وجودها عنده أو لزهد وقناعة ولم يتركها أحد ممن كان قبلكم لأجل ما أشرتم إليه.
ولم أر مثلكم يا أهل زنجبار في اختياركم هذا اللباس الأجنبي وسرعة انطباع أخلاق العدو فيكم وهؤلاء البانيان من قديم الزمان يخالطون العرب وما تزينوا بشيء من زيهم ولا لبسوا شيئا من ملابسهم حمية لملتهم وتعصبا لآبائهم وأنفة عن مخالفتهم وهم شر الناس، واخش الناس ولباسهم شر اللباس وأنتم مع كمال هيئاتكم وعلو شأن آبائكم وشرف أسلافكم سارعتم هذه المسارعة كلها في تبديل هيئاتكم المنيعة وتغيير أخلاقكم الشريفة. أأحياءٌ أنتم أم أموات؟ أعقلاء أنتم أم مجانين؟
والمنع من لباس الكفار ومن التشبه بهم في جميع الأحوال ثبت بالنصوص الصحيحة كما سنوردها إن شاء الله تعالى وأما لبس ما كان شعارا للكفر من يهودية أو نصرانية أو مجوسية كالزنار أو غيره فهو شرك إجماعا وخروج عن الملة الإسلامية وكفر بعد إيمان وذلك الكفر الفعلي وما دون ذلك من اللباس والهيئات فإن لبسه بقصد التشبه بهم مستحسن لهيئتهم مستلذا لحالهم فهو شرك أيضا لأنه قد آثر الكفر على الإيمان وانتظم في سلك أولياء الشيطان. وإن لبسه عاريا من ذلك القصد الشنيع فأقل حاله أنه يكون عاصيا غير مطيع.
ولبسه - صلى الله عليه وسلم - للخميصة الشامية والجبة الشامية والحبرة اليمانية والثياب السحولية لا يدل على جواز ذلك. فإن الثياب الفاخرة في عصره- صلى الله عليه وسلم- وقبل زمانه وكان في الناحيتين أعني اليمن والشام من العرب الألوف المألفة. بل اليمن كلها للعرب وغالب الشام كل ذلك وإن كان فيها للروم. فملابس العرب في ذلك العصر متحده أو متقاربه وهي خلاف ملابس الروم والقبط والترك وأشباههم فلا تثبت لمتثبت يلبسه -صلى الله عليه وسلم - لتلك الملابس المذكورة وهدية الكرزية المذكورة في الاعتراض لا أعرفها ولا أعرف من ذكرها ولا أعرف الأثر الذي ذكرت فيه وليت شعري الكرزية ماهي وهل هي من ذوات الأكمام أم لا؟ وما هذا الإسم أعربي أم لا؟ ولو وجد ذكرها كان لك لها صح إحتجاج بها متى يصح نقلها عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وإنها من لباس الروم وأنى لكم بذلك.
وقولكم: "اللباس ليس من العبادات ولا من الإعتقاديات وإنما هو من العادات"، جوابه: لو كان من الإعتقادات لزم الشرك- والعياذ بالله- وحيث كان من العادات كان الأمر فيه دون ذلك.
وقد ثبتت النصوص عن الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- في النهي عن التشبه بالأعاجم وعن التشبه باليهود والنصارى وعن التشبه بمطلق الكفار في جميع أحوالهم جملة وتفصيلا. أما المنع الإجمالي فهو قوله تعالى: {وَلاَ تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ قَالُوْا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُوْنَ} أي لا تكونوا مثلهم ولا تتبعوهم في أحوالهم. وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوْا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوْا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوْا كَثِيْراً وَضَلُّوْا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيْلِ} وهؤلاء القوم هم أسلاف اليهود والنصارى وصفهم الرب تعالى بالضلال والإضلال وإنهم لا يتبعون أهواءهم. وقوله تعالى {إِنْ تُطِيُعْوا فَرِيْقاً مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الكِتَابَ يَرُدُّوْكُمْ بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ كَافِرِيْنَ} وقوله تعالى {لاَ تَتَّخِذُوْا بِطَانَةً مِنْ دُوْنِكُمْ لاَ يَأْلُوْنَكُمْ خَبَالاً قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِيْ صُدُوْرُهُمْ أَكْبَرُ} وقوله تعالى {إِنْ تُطِيْعُوْا الَّذِيْنَ كَفَرُوْا يَرُدُّوْكُمْ عَلَىْ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوْا خَاسِرِيْنَ} وقوله تعالى {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يُضِلُّوْنَكُمْ} وفي كثير من أمثالها من الآيات وجميعا مرشد إلى مخالفة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى.
ومن السنة قوله- صلى الله عليه وسلم- في حديث حسن "من تشبه بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود عن إبن عمر. وقوله- صلى الله عليه وسلم- في حديث صحيح "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب واعفوا اللحى" أخرجه البخاري ومسلم عن إبن عمر. وقوله- صلى الله عليه وسلم- في حديث صحيح أيضا "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" أخرجه أبو داود والحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه عن شداد بن أوس .
فالآمر بالمخالفة في الحديثين يفيد إطلاق المنع من التشبه بهم فإنه وإن ذكر لغير الأمر بذلك حالة مخصوصة من إحفاء الشوارب وتوفير اللحى والصلاة في النعال، فذكر ذلك لا يقتضي تقييد المخالفة به لأنه واقعة حال وهو من باب ذكر بعض مفردات المطلق للتبيين لا للتقييد لأن المذكور حكم معلل بالمخالفة فالمخالفة علة عامة، وإحفاء الشوارب وما بعده بعض مدلولاتها. وسيأتي كل ذلك بالآحاديث الآتي ذكرها قريب إن شاء الله.
والصلاة بالنعال جائزة لكنها غير النعال المعروفة الآن بها، تلك نعال رقيقة جدا لا تفضل عن القدم طولا ولا عرضا لها شراك تمسك به القدم فهي لا تمنع سجودا ولا ترفع قدما بخلاف نعال الناس اليوم وقد أنكر إبن جريج على عبدالله بن عمر أربعا كان يصنعها لم ير أصحابه يصنعونها، فقال: "يا أبا عبد الرحمن لقد رأيتك تضع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يضعها. قال: وما هن؟ قال: رأيتك لا تمس الأركان إلا اليماني ورأيتك تلبس النعال السِّبتية ورأيتك تصبغ بالصفرة ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل إلا يوم التروية". قال إبن عمر: "أما الأركان فإني لم أر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمس إلا اليماني، وأما النعال السِّبتية فإني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلبسها وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصبغ بها، وأما الهلال فإني لم أر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يهل حتى تنبعث به راحلته". والحديث عند الربيع في باب الإهلال بالحج. إلا أنه لم يذكر إسم السائل والنعال السِّبتية- بكسر السين- المدبوغة وكانوا ينتعلون الجلد بشعره. ويعدون إزالة شعرة من التنعم فلذلك أنكره السائل. ولذا كان مثل إبن عمر ينكر عليه مثل هذا النعل حتى ذكر حجته في ذلك. فما بالنا لا ننكر عليكم لباس النصارى.
وأما المنع التفصيلي فهو كثير نذكر ما يتيسر منه شيئا فشيئا ونقدم ما يخص اللباس فإنه محل النزاع فمن ذلك حديث أبي ريحانة عند أحمد وأبي داؤد والنسائي "أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن عشر: الوشر والوسم والنتف ومكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم وعن النهي وركوب النمور ولبس الخاتم إلا لذي سلطان" فقوله مثل الأعاجم مصرح بأن النهي في ذلك لخوف التشبه بهم. والوشر بمعجمة وراء- معالجة الأسنان لما يحددها ويرق أطرافها. والوشم النقش وهو غرز الإبرة بجلده ثم يذر عليه ما يخضره أو يسوده. والنتف وهو النتف للشيب أو للشعر عند المصيبة أو تسوية الحاجبين للتزيين وهو النمص المذكور في حديث إبن عباس عند الربيع. والمكامعة- بالعين المهملة- المضاجعة والشعار الحاجز بينهما. والنهي- بالضم والقصر- بمعنى النهب وهو أخذ المال بغير حق. والنمور سباع معروفة والمراد بركوبها: الركوب على جلودها، وكانت الأعاجم تصنع ذلك فنهينا عن مشابهتهم. وقوله لبس الخاتم إلا لذي سلطان: أي لصاحب سلطة يحتاج الختم به، وفي معناه كل من يحتاج إليه لذلك وقد وردت أحاديث صحيحة في جواز لبسه لكل أحد، فالتخصيص في الحكم المنسوخ والله أعلم.
ومن ذلك حديث عبدالله بن عمر عند أحمد ومسلم والنسائي: "قال: رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- عليَّ ثوبين معصفرين فقال: إن هذا من لباس الكفار فلا تلبسهما". والمعصفر المصبوغ بالعصفر وهو الشوران. والحديث نص في المطلوب ومن ذلك أبي أمامة قال: قلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "تسرولوا وأتزروا وخالفوا أهل الكتاب" رواه أحمد والطبراني. ومن ذلك حديث ركانة عند أبي داود والترمذي أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس" وفي لفظ البارودي، "العمامة على القلنسوة، فصل ما بيننا وبين المشركين يعطي يوم القيامة بكل كورة يدورها على رأسه نور". والقلنسوة- بفتح القاف وسكون النون المهملة وفتح الواو وقد تبدل ياء مثناة من تحت وقد تبدل ألفا فتفتح السين فيقال قلنساه: غشاء مبطن يستر به الرأس. والمعنى أن المشركين يلبسون القلانس بلا عمائم والمسلمون يلبسون عليها العمائم فكان ذلك فرقا مطلوبا وأمرا محبوبا.
ومن ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم- في حديث إبن عباس عن الديلمي في مسند الفردوس "العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضع الله عزهم" وفي حديث القضاعي والديلمي "العمائم تيجان العرب والإحتبا حيطانها وجلوس المؤمن في المسجد رباطه" ومن ذلك ما رواه الأربعة وأحمد والحاكم عن أبي هريرة أنه- صلى الله عليه وسلم- نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه. قال في النهاية: "السدل أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخله فيركع ويسجد وهو كذلك". قال وكانت اليهود تفعله فنهوا عنه.
هذا ما حضرني ذكره في المقام من طلب مخالفتهم في اللباس. وأما طلبها في غيره كثير ومنها ما ذكر القطب في شرح العقيدة قال روى الطبراني عن النعمان بن بشير عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا كتب أحدكم إلى أحد، فليبدأ بنفسه" وعن أبي الدرداء عنه- صلى الله عليه وسلم-: "إذا كتب أحدكم إلى إنسان، فليبدأ بنفسه وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح لقضاء الحاجة" وذكروا أن الأعاجم تبدأ باسم المكتوب إليه. قال أبو الليث: كان رسم المتقدمين أن الكاتب يبدأ بنفسه من فلان إلى فلان. وبذلك جاءت الآثار وروي عن إبن عمر أنه كان إذا كتب إلى الخليفة بدأ بنفسه. وكان عمر يكتب إلى عماله أن ابدأوا بأنفسكم. وروي عن وكيع عن أبي داود عن عبدالله بن محمد بن سيرين أنه أراد سفرا فقال له أبوه محمد بن سيرين: "إذا كتبت لي كتابا فابدأ بنفسك فإنك إن بدأت بي لم أقرأ لك كتابا". وعن الربيع ابن أنس : "ما كان أحد أعظم حرمة من النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان أصحابه إذا كتبوا إليه بدأوا بأنفسهم". وقال إبن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل فارس إذا كتبوا، بدأوا بعظمائهم وكبرائهم. فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه".
ومنه ما روى البيهقي في السنن عن جابر يرفعه: "لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليمهم إشارة بالكفوف والحواجب". فهذا يدل أن التحية الإسلامية خلاف ماهم عليه فهو نهي عن التشبه بهم في الحركات ومن سلم تسليمهم لا يرد عليه. ومنها ما أخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن من حديث إبن عمر: "نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده اليسرى فقال إنها صلاة اليهود". ومنها ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن معاوية قال: "نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن ركوب النمار" وفي رواية النمور وكلاهما جمع نمر بفتح النون وكسر الميم، ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم وهو سبع أخبث وأجرأ من الأسد، وهو منقط الجلد نقط سود وهو شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه. وإنما نهى عن إستعمال جلوده لما فيها من الخيلاء ولأنه زي العجم وعموم النهي شامل للمذكى وغيره.
ومنها ما أخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة قال: "دخلت السوق يوما مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- فجلس الى البزاز فاشترى منه سراويل بأربعة دراهم وكان لأهل السوق فلان يزن فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم- أتزن راجحا. فقال الوزان: إن هذه كلمة ما سمعتها من أحد. قال أبو هريرة فقلت كفى بك من الجفاء في دينك أن لا تعرف نبيك. فطرح الميزان ووثب إلى يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد أن يقبلها فجذب يده رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال له: يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها ولست بملك، إنما أنا رجل منكم" فأخذ فوزن وأرجح، وأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السراويل.
ومنها ما رواه أبو داود من حديث جابر قال: "ركب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا. قال: فقمنا خلفه فسكت عنا ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا فلما قضى الصلاة قال: "اذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا وإذا صلى قائما فصلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها".
ومنها ما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار من حديث عبادة بن الصامت "أن يهوديا قال لما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يقوم للجنازة: هكذا نفعل. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- إجلسوا وخالفوهم". ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون". ومنها ما أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فصلا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
ومنها ما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي موسى قال : "كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيدا . فقال صلى الله عليه وسلم : صوموه أنتم" . وروى مسلم وأبو داود عن إبن عباس قال: "لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يارسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي روايه عند أحمد "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما وبعده يوما". ومنها قوله تعالى {قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِيْ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته الكعبة سيما لما بلغه أن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا، وفي لفظ قالوا للمسلمين لو لم نكن على هدى ما صليتم على قبلتنا فاقتديتم بنا، وفي لفظ كان يحب أن يستقبل الكعبة محبة لموافقة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة السلام وكراهة لموافقة اليهود ليقول كفار قريش للمسلمين لم تقولون نحن على دين إبراهيم وأنتم تتركون قبلته وتصلون إلى قبلة اليهود" ومنها ما وقع في السير عند إبتداء الأذان "أنه صلى الله عليه وسلم إهتم هو وأصحابه كيف يجمع الناس للصلاة فقيل له أنصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس أعلم بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك فذكر له بوق يهود وهو القرن الذي يدعون به لصلاتهم فيجتمعون لها عند سماع صوته فكرهه صلى الله عليه وسلم وقال هو من أمر اليهود. فذكر له الناقوس الذي يدعون به النصارى لصلاتهم فقال هو من أمر النصارى فقالوا له لو رفعنا نارا فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة فقال ذلك للمجوس . فقال عمر تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ففعلوا ذلك وكان المنادي وهو بلال رضي الله عنه، وكان اللفظ الذي ينادي به بلال الصلاة جامعة". كما رواه إبن سعيد وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا وذلك قبل رؤيا عبدالله بن زيد الأنصاري صفة الآذان فلما رآها وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم "إنها رؤيا حق فلقنها بلال فهو أندى منك صوتا" واستقر الأذان من يومئذ ومنها قوله تعالى {يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ المَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاْعْتَزِلُوْا النِّسَاءَ فِيْ المَحِيْضِ وَلاَ تَقْرَبُوْهُنَّ حَتَّىْ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوْهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ} وذلك أنها نزلت بخلاف أمر اليهود والنصارى في أمر الحيض أخرج غير واحد عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله {يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ المَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاْعْتَزِلُوْا النِّسَاءَ فِيْ المَحِيْضِ} الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه".
"وجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا يارسول الله صلى الله عليه وسلم إن اليهود قالت كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا واستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما" وفي رواية "أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها والنصارى كانوا يجامعون ولا يبالون بالحيض وإن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فراش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب البرد شديد والثياب قليلة وإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت وإن إستأثرناها هلكت الحيض فقال عليه الصلاة والسلام إنما أمرتكم أن تتركوا مجامعتهن إذا حضن ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم فلما سمع اليهود ذلك قالوا هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه ثم جاء عباد بن بشر وأسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك وقالا يا رسول الله أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما فقاما فجاءته هدية من لبن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما".
ففي الأمر بمخالطتهن في البيوت مخالفة لليهود والمجوس وفي الأمر باعتزال مجامعتهن مخالفة للنصارى فكان هذا الأمر بين الإفراط والتفريط وهو سبيل الملة الحنيفية والشريعة المحمدية وإنما قال الرجلان "أفلا ننكحهن في المحيض" طلبا منهما الإستئذان بمخالفة اليهود حين رأوا أن ذلك يغيظهم وذهلوا أن فيه موافقة النصارى. وكان المطلوب مخالفة الفريقين ومنها قوله تعالى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوْا حَرْثَكُمْ أَنَّىْ شِئْتُمْ} فإنها نزلت بخلاف أمر اليهود في إتيان نسائهم ومنها أخرج أبو داؤد والحاكم عن إبن عباس قال: "إنما كان أهل هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع أهل هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يعتقدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك". وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم إمرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك الزسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوْا حَرْثَكُمْ أَنَّىْ شِئْتُمْ}" أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" رواه أحمد والنسائي والترمذي عن زيد بن أرقم قال الترمذي حديث صحيح وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جزوا الشوارب وارخوا اللحى خالفوا المجوس" وروى أحمد والبخاري ومسلم عن إبن عمر "خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفو الشوارب".
وروى إبن عساكر عن عمر: "حلق القفا من غير حجامة مجوسية" أي خصلة من خصال المجوس فحالق قفاه من غير أن يريد الحجامة متشبه بالمجوس وقال أنس: "سدل رسول الله عليه وسلم ما شاء الله أن يسدل ثم فرق بعد ذلك وقيل أنه إنما فرق لمخالفة اليهود حين كانوا يسدلون". ومنها ما أخرجه الجماعة عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" والمراد بذلك تغير شدة بياض الشيب بصفرة ونحوهما كما يدل عليه حديث إبن عمر وغيره هذا ما تيسر ذكره من مراشد الشرع الشريف إلى مخالفة اليهود والنصارى والمجوس ونحوهم من جميع من خالف ملة الإسلام وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فنحن الآخرون في الزمان الأولون في الفضل والمنزلة عند الرب فلا ينبغي لمن كان بهذه المثابة أن يتشبه بمن هو دونه في الرتبة وكفى بالإسلام شرفا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبصحبه رضي الله عنهم سلفا.

وكدت بأخمصى أطـأ الثريا

وممــا زادنــي شرفـــا وتيــها  

وأن صيرت أحـمد لي نبيـا

دخولـي تحت قولك ياعبادي  


قال الله سبحانه وتعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِنْ تُطِيْعُوْا فَرِيْقاً مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الكِتَابَ يَرُدُّوْكُمْ بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ كَافِرِيْنَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُوْنَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىْ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيْكُمْ رَسُوْلُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىْ صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ} صدق الله العظيم.